الجاحظ
87
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
غضارتها ورفاهتها نعما ، أرهقته من نوائبها نقما ، ولم يمس أمرؤ منها في جناح أمن إلا أصبح منها على قوادم خوف ، غرّارة غرور ما فيها ، فانية فان من عليها ، لا خير في شيء من زادها إلا التقوى . من أقل منها استكثر مما يؤمنه ، ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه ويطيل حزنه ، ويبكي عينه ، كم واثق بها قد فجعته ، وذي طمأنينة إليها قد صرعته ، وذي اختيال فيها قد خدعته . وكم من ذي أبهّة فيها قد صيرته حقيرا . وذي نخوة قد ردته ذليلا ، وكم من ذي تاج قد كبّته لليدين والفم . سلطانها دول ، وعيشها رنق ، وعذابها أجاج ، وحلوها صبر ، وغذاؤها سمام ، وأسبابها رمام ، وقطافها سلع « 1 » حيّها بعرض موت ، وصحيحها بعرض سقم ، ومنيعها بعرض اهتضام . مليكها مسلوب ، وعزيزها مغلوب ، وسليمها منكوب ، وجامعها محروب « 2 » . مع أن وراء ذلك سكرات الموت ، وهول المطّلع والوقوف بين يدي الحكم العدل ، لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى . ألستم في مساكن من كان أطول منكم أعمارا ، وأوضح آثارا ، وأعدّ عديدا أكثف جنودا ، واعند عنودا . تعبدوا الدنيا أي تعبد ، وآثروها أيّ إيثار ، وظعنوا عنها بالكره والصّغار فهل بلغكم أن الدنيا سمحت لهم نفسا بفدية ، أو أغنت عنهم فيما قد أهلكتهم بخطب ، بل قد أرهقتهم بالفوادح ، وضعضعتهم بالنوائب ، وعقرتهم بالمصائب . وقد رأيتم تنكرها لمن دان لها وآثرها ، واخلد إليها ، حين ظعنوا عنها لفراق الأبد إلى آخر المسند . هل زودتهم إلا الشقاء ، وأحلتهم إلا الضّنك ، أو نوّرت لهم إلا الظلمة ، أو أعقبتهم إلا الندامة . فهذه تؤثرون أم عليها تحرصون ، أم إليها تطمئنون . يقول اللّه : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ . أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ . فبئست الدار لمن أقام فيها . فاعملوا وأنتم تعلمون إنكم تاركوها لا بد ، فإنما هي كما وصفها اللّه باللعب واللهو ، وقد قال اللّه : تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ
--> ( 1 ) سلع : نبات سام . ( 2 ) محروب : مسلوب . أ